النويري

95

نهاية الأرب في فنون الأدب

إرغابه وإرهابه وفق أسبابهما من غير سرف ولا تقصير ؛ فلسانه ميزانه ، فليحفظه من رجحان أو نقصان . وعدله في الأفعال ألَّا يعاقب إلا على ذنب ، ولا يعفو إلا عن إنابة ، ولا يبعثه السّخط على اطَّراح المحاسن ، ولا يحمله الرضا على العفو عن المساوئ . وليكن وفاؤه بالوعد حتما [ 1 ] ، وبالوعيد حزما ؛ لأن الوعد حقّ عليه لغيره يسقط فيه اختياره ، والوعيد حقّ له على غيره فهو فيه على خياره . فمن أجل ذلك لم يجز إخلاف الوعد وإن جاز إخلاف الوعيد . قال بعض الشعراء : وإني إذا أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادى ومنجز موعدي لكن ينبغي أن يقرن بخلف الوعيد عذرا حتى لا يهون وعيده ؛ ليكون نظام الهيبة محفوظا ، وقانون السياسة فيه مضبوطا ؛ وليظهره إن خفى ليكون بإخلاف وعيده معذورا ، وبعفوه عنه مشكورا . ولتكن أفعاله أكثر من أقواله ؛ فإن زيادة القول على الفعل دناءة وشين ، وزيادة الفعل على القول مكرمة وزين . ولا يجعل لغضبه سلطانا على نفسه يخرجه عن الاعتدال إلى الاختلال ؛ فلن يسلم بالغضب رأى من زلل ، ولا كلام من خطل ؛ لأن ثورته طيش معرّ ، ونفرته بطش مضرّ ؛ لأنه يخرج عن التأديب إلى الانتقام ، وعن التقويم إلى الاصطلام [ 2 ] . قال ابن عبّاس : لم يمل إلى الغضب إلَّا من أعياه سلطان الحجّة . وقال بعض السّلف : إيّاك وعزّة الغضب ، فإنها تفضى بك إلى ذلّ الاعتذار . وقال بعض الحكماء : من كثر شططه ، كثر غلطه . قال بعض الشعراء : ولم أر في الأعداء حين اختبرتهم عدوّا لعقل المرء أعدى من الغضب

--> [ 1 ] كذا في قوانين الوزارة ، وفى الأصل : « جسيما » . [ 2 ] الاصطلام : القطع والاستئصال .